السيد محمد حسين الطهراني
408
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
معرفتها . وتوجد في هذه النظريّة إشكالات مهمّة هي : أوّلًا : أنّها توصد سبيل المعرفة بالخالق ، حيث إنّ الله تعالى خلق السماء والأرض والأفلاك تمهيداً لمعرفة البشر . وثانياً : إنّ هذه النظريّة تجسّد حقيقة معنى التفويض [ 1 ] ، أي أنّها تمثّل
--> 1 - ما أجمل أن ننقل هنا نصّ عبارة مجلّي المعضلات والمبهمات استاذنا المحقّق العلّامة آية الله الطباطبائيّ قدّس الله سرّه ، فقد ذكر مطالب بشأن القضاء والقدر والأمر بين الأمرين في تعليقاته على « أصول الكافي » ج 1 ، ص 155 فما بعد ، الطبعة الأولى ، مكتبة الصدوق ، سنة 1381 ، نكتفي بذكر عدّة جملات منها : « المُجبِّرةُ أثْبتوا تعلُّقَ الإرادةِ الحَتْميَّة الإلَهيّةِ بالأفعال كسائرِ الأشياءِ ؛ وهُو القَدَر ، وقالوا : بكَونِ الإنسان مَجبوراً غَيرَ مُختارٍ في أفعالِهِ ، والأفعالُ مخلوقةٌ للَّه تعالى وكذا أفعالُ سائر الأسباب التكوينيَّةِ مخلوقةٌ له . والمُفوِّضةُ أثْبتوا اخْتياريّةَ الأفعالِ ، ونَفَوْا تعلُّقَ الإرادة الإلهيّةِ بالأفعالِ الإنسانيّةِ فَاسْتَنتجوا كَونَها مَخلوقةً للإنسان » . حتّى يصل إلى قوله : « واعْلَمْ أنّ البَحثَ عَن القضاءِ والقَدَر كانتْ في أوّل الأمر مَسألةً واحِدةٌ ، ثمّ تحوَّلَت ثلاثَ مسائلَ أصليّةِ ، الأولى : مَسألةُ القَضاء ، وهو تعلُّقُ الإرادةِ الإلهيّةِ الحَتميَّةِ بكلِّ شيءٍ ، وَالأخبارُ تَقضي فيها بالإثباتِ كما مرَّ في الأبوابِ السَّابقةِ . الثانية : مَسألَةُ القَدَر وَهُو ثُبوتُ تأثيرِ ما لَهُ تعالى في الأفعال ، والأخبارُ تدلُّ فيها أيضاً على الإثباتِ . الثالثة : مَسألةُ الجَبر والتَّفويضِ ، والأخبار تُشيرُ فيها إلى نَفْي كِلا القَولين وتُثْبِتُ قَولًا ثالثاً وهو الأمر بَين الأمرَين : لا مِلكاً للّه فقط مِن غَير مِلْكِ الإنسان ولا بِالعكْس ، بل مِلكاً في طولِ مِلكٍ ، وسَلطنَةً في طُولِ سَلطنةٍ . واعْلمَ أيضاً أنّ تسميةَ هَؤلَاءِ بالقَدَريّةِ مأخوذةٌ ممّا صَحَّ عنِ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم : إنَّ القَدَرِيَّةَ مَجُوسُ هَذِهِ الامَّةِ - الحديث . فَأخذتِ المُجبِّرةُ تُسَمّى المُفَوِّضةَ بِالقدريَّةِ لأنَّهُم يُنكرونَ القَدَرَ ويتكلَّمون علَيها ، والمُفَوِّضةُ تُسَمِّى المُجَبِّرةَ بالقَدَريَّةِ لأنَّهم يُثبتونَ القَدَر . والذي يتَحصَّلُ مِن أخبارِ أئمَّةِ أهل البَيتِ عليهمُ السلام أنَّهم يُسَمُّون كِلتا الفرقتَين بالقدريَّةِ ويُطَبِّقونَ الحديث النَّبَوِيّ علَيهما : أمّا المُجبِّرةُ فلأنّهم يَنسِبون الخير والشَّرَّ والطاعةَ والمَعصيةَ جميعاً إلى غَير الإنسان ، كما أنَّ المَجوسَ قائلونَ بكَون فاعلِ الخير والشَّرِّ جميعاً غَيرَ الإنسان ؛ وقولُه عليه السَّلام في هذا الخبرِ مبنيّ على هذا النَّظَرِ . وأمّا المفوِّضةُ فلأنّهم قائلونَ بخالقَين في العالَم : هما الإنسان بالنِّسْبَةِ إلى أفعالهِ واللهُ سبحانَه بالنسبةِ إلى غيرها ؛ كما أنَّ المجوسَ قائلونَ بإلهِ الخير وإلهِ الشَّرِّ ؛ وقولُه عليه السَّلام في الرواياتِ التاليةِ : لا جَبْر وَلا قَدَر ، ناظِرٌ إلى هذا الاعْتبارِ » .